الطبراني
444
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله تعالى : فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ( 69 ) ؛ أي ما لبث إبراهيم أن جاء بعجل محنوذ ؛ أي مشويّ ، قال ابن عبّاس : ( الحنيذ : النّضيج ) « 1 » وهو قول مجاهد وقتادة « 2 » ، والحنذ : إشواء اللّحم بالحجارة المحمّاة في شوء من الأرض ، وهو من فعل البادية ، وقال مقاتل : ( إنّما جاءهم بعجل لأنّه كان أكثر ماله البقر ) « 3 » . وقال الحسن : ( إنّما جاءهم بالطّعام لأنّهم جاؤه على صورة الآدميّين ، على هيأة الأضياف ، ولم يكن شيء أحبّ إليه من الضّيفان ، ولو جاؤه على صورة الملائكة لم يكن يقدّم إليهم ذلك لعلمه باستغناء الملائكة عن الطّعام ) . قوله تعالى : فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ ؛ أي لمّا وضع الطعام بين أيديهم ، فرآهم لا يمدّون إليه أيديهم أنكرهم ، وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ ؛ أضمر في نفسه ، خِيفَةً ؛ خوفا منهم ، وكان أهل ذلك الزمان إذا لم يأكل بعضهم من طعام بعض خافوا من غائلته . فلما علمت الملائكة خوفه منهم ، قالُوا لا تَخَفْ ؛ منّا يا إبراهيم ، إِنَّا أُرْسِلْنا ، أي إنّ اللّه أرسلنا ، إِلى قَوْمِ لُوطٍ ( 70 ) ؛ لنهلكهم . قوله تعالى : وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ ؛ معناه : وامرأته سارة كانت قائمة معه على رؤوسهم بالخدمة ، ويقال : كانت قائمة من وراء السّتر في حال محاورة إبراهيم مع الملائكة ، ويقال : إنّ سارة بنت عمّ إبراهيم . قوله تعالى : ( فَضَحِكَتْ ) أي ضحكت من سرورها بالسّلام ، فزادوها بشارة بإسحق عليه السّلام ، وقال السديّ : ( إنّ إبراهيم قال لهم : ألا تأكلون ؟ ! قالوا : إنّا قوم لا نأكل إلّا بالثّمن ، قال : كلوا وأدّوا ثمنه ، قالوا : وما ثمنه ؟ قال : أن تذكروا اسم اللّه في أوّله وتحمدوه في آخره . فنظر جبريل إلى من معه من الملائكة وقال : حقّ لهذا أن يتّخذه اللّه خليلا ، فضحكت امرأته وقالت : عجبا لأضيافنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم وهم لا يأكلون طعامنا ! ) « 4 » .
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 14124 ) . ( 2 ) جامع البيان : الأثر ( 14125 ) عن مجاهد ، والأثر ( 14126 ) عن قتادة . ( 3 ) تفسير مقاتل بن سليمان : ج 2 ص 125 . ( 4 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 14137 و 14148 ) .